فصل: مسألة النبر في القرآن في الصلاة:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة



.مسألة العروس يدخل بأهله في ليلة الجمعة أيتخلف عن الجمعة:

وسئل عن العروس يدخل بأهله في ليلة الجمعة، أيتخلف عن الجمعة؟ قال لا، ولا عن الظهر والعصر لا يتخلف عنهما ويخرج إليهما.
ثم قال إذا كان من ينظر إليه يفتي بالجهالة جرت في الناس. قال سحنون: وقد قال بعض الناس لا يخرج لأنه حق لها من النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وقال مالك: ما يعجبني للعروس ترك الصلاة كلها.
قال محمد بن رشد: قول مالك إن العروس ليس له أن يتخلف عن الجمعة، ولا عن الصلاة في الجماعة هو الحق الذي لا وجه لسواه، إذ لا حق للزوجة عليه في منعه من شهود الجمعة والجماعة، ولا له بالمقام عندها عذر في التخلف عنهما، وإنما معنى قول رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «للبكر سبع وللثيب ثلاث» أن يكون معها ويبيت عندها دون سائر أزواجه إن كانت له أزواج سواها، وليس عليه أن يلزم المقام عندها ليله ونهاره فلا يخرج إلى الصلاة ولا يتصرف فيما يحتاج إليه من حوائج دنياه، ولا لها ذلك عليه إن سألته إياه، وإنما الذي لها من الحق أن يقيم عندها المدة التي وقتها رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لها دون غيرها من نسائه.
قيل عليه وعلى سائر أزواجه، وقيل بل على سائر أزواجه لا عليه. وعلى هذا الاختلاف يختلف أيضا إن لم تكن له زوجة سواها، هل لها عليه حق في المقام معها والمبيت عندها المدة التي وقتها لها رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على ما جاء في الحديث أم لا؟ فعلى القول بأن ذلك حق لها عليه وعلى سائر أزواجه يكون ذلك لها، وعلى القول بأن ذلك حق لها على أزواجه لا عليه لا يكون ذلك لها، إذ الحق لها إنما هو على أزواجه إن كانت له أزواج لا عليه.
وقد قيل إن ذلك إنما هو حق له على سائر أزواجه لا حق لها، والأول أظهر. وظاهر ما حكى سحنون عن بعض الناس أن لها من الحق عليه أن لا يخرج إلى جمعة ولا إلى غيرها، وهي جهالة ظاهرة كما قال مالك رَحِمَهُ اللَّهُ وغلطة غير خافية. وقول مالك ما يعجبني للعروس ترك الصلاة كلها، معناه عندي ما يعجبني أن يخفف للعروس ترك الصلاة كلها في الجماعة مع الناس في المسجد، وإنما الذي يعجبني أن يخفف له ترك بعضها للاشتغال بزوجه والجري إلى تأنيسها واستمالتها، وهذا فيما عدا الجمعة التي شهودها عليه فرض، وبالله التوفيق.

.مسألة النبر في القرآن في الصلاة:

وسئل مالك عن النبر في القرآن في الصلاة، قال إني لأكرهه وما يعجبني ذلك.
قال محمد بن رشد: يريد بالنبر إظهار الهمزة في كل موضع على الأصل، فكره ذلك في الصلاة، واستحب فيها التسهيل على رواية ورش، لما جاء من أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم تكن من لغته الهمزة. روي: أنه «أتي بأسير يرعد فقال أدفوه، يريد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أدفئوه من الدفء، فذهبوا به فقتلوه فوداه» رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من عنده. ولو أراد قتله لقال: دافوه ودَافُّوا ودَافُّوا عليه بالتثقيل.
ولهذا المعنى كان العمل جاريا بقرطبة قديما أن لا يقرأ الإمام في الصلاة بالجامع إلا برواية ورش، وإنما تغير ذلك وتركت المحافظة عليه مند زمن قريب. ويحتمل أن يريد بالنبر في القرآن في الصلاة الترجيع الذي يحدث في الصوت معه نبر في غير موضع النبر ويحتمل أن يريد التحقيق الكثير في الهمزات إلى ما سوى ذلك مما يأخذ بعض المقرئين القرأة عليهم من الترقيق والتغليظ والروم والشم وإخفاء الحركة وإخراج جميع الحروف من حقيقة مخارجها، ولا يتأتى ذلك إلا بالعناء وتقطيع بعض الحروف؛ لأن الاشتغال بذلك في الصلاة يشغل عن تدبره وتفهم حكمه والاعتبار بعبره.

.مسألة أيهم أوجب أركعتا الفجر أم الوتر:

وسئل مالك أيهم أوجب، أركعتا الفجر أم الوتر؟ قال بل الوتر بكثير. قال مالك: إن ابن عمر لم يكن يركع ركعتي الفجر في السفر.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما في سماع أبي زيد، ومثل ما يقوم في المدونة أن ركعتي الفجر سنة خلاف ما في رسم الصلاة الأول من سماع أشهب، وخلاف ما لأصبغ في سماع عيسى من كتاب المحاربين أنهما ليستا بسنة. وأصل هذا الاختلاف اختلافهم في المعنى الذي من أجله تسمى النافلة سنة، إن كان لكونها مقدرة لا يزاد عليها ولا ينقص منها، أو لكون الاجتماع لها والجماعة فيها مشروعين لها وبالله التوفيق.

.مسألة الرجل يقرأ مع الإمام فيما أسر فيفرغ من السورة التي ابتدأها:

وسئل مالك عن الرجل يقرأ مع الإمام فيما أسر فيفرغ من السورة التي ابتدأها فيقرأ معه بغيرها إذا ختمها، وربما قرأ بالسورتين والثلاث قبل أن يفرغ الإمام، قال نعم يقرأ بذلك. قال ابن القاسم: يعني أن يقرأ إذا فرغ من السورة غيرها ولا يقيم ساكتا.
قال محمد بن رشد: هو مخير إن شاء قرأ كما قال، وإن شاء سكت، وإن شاء دعا، الأمر في ذلك كله واسع.

.مسألة الرجل إذا فاتته ركعتان أهي أول صلاته أم آخرها:

وسئل مالك عن الرجل إذا فاتته ركعتان، أهي أول صلاته أم آخرها؟ فقال هي آخر صلاته، ويقضي ما فاته بأم القرآن وسورة.
قال محمد بن رشد: ستأتي هذه المسألة في رسم الجواب، واختلاف قول مالك فيها، وسنتكلم عليها هناك إن شاء الله.

.مسألة يدخلان المسجد وتقام الصلاة فيحرم الإمام وهما يتحدثان:

وسئل مالك عن الرجلين يدخلان المسجد وهما في مؤخر المسجد وتقام الصلاة وهما في مؤخر المسجد مقبلان إلى الإمام، فيحرم الإمام وهما يتحدثان، قال أرى أن يتركا الكلام إذا أحرم الإمام.
قال أبو الوليد: وهذا كما قال؛ لأن تحدثهما والإمام في الصلاة وهما في المسجد مقبلان إلى الصلاة من المكروه البين؛ لأنه لهو عما يقصدانه من الصلاة وإعراض عنه، وبالله التوفيق.

.مسألة صلى الظهر ثم جاء إلى المسجد فوجد الناس قعودا في آخر صلاتهم:

ومن كتاب أوله مرض وله أم ولد فحاضت:
وسئل مالك عن رجل صلى في بيته الظهر ثم جاء إلى المسجد فوجد الناس قعودا في آخر صلاتهم وظن أن عليهم ركعتين، فكبر ثم قعد فسلم الإمام، قال: يسلم وينصرف ولا أرى عليه شيئا. قال ابن القاسم: وقد سمعته يقول لو ركع ركعتين يريد بذلك إذا كانت صلاة يصلي بعدها، وإن انصرف ولم يفعل فلا شيء عليه.
قال محمد بن رشد: إنما خفف له القطع إذا لم يعقد ركعة من أجل أنه لم يدخل على نية النافلة، وإنما دخل على نية الفريضة، فلم يلزمه ما لم ينو. وقد مضى في رسم سلف ما يشبه هذا المعنى.

.مسألة نسي التشهد حتى سلم الإمام وهو معه:

قال مالك من نسي التشهد حتى سلم الإمام وهو معه، قال يتشهد ويسلم ولا يدعو بعد التشهد.
قال محمد بن رشد: يريد ولا سجود سهو عليه؛ لأنه قد تشهد قبل سلامه وإن كان بعد سلام الإمام؛ لأنه لا يخرج من الصلاة بسلام الإمام حتى يسلم هو، وبالله التوفيق.

.مسألة قول الناس: سبحان ربي العظيم وبحمده في التشهد:

ومن كتاب أوله نذر سنة يصومها:
وسئل عن قول الناس: سبحان ربي العظيم وبحمده في التشهد، قال: قد كتب إلي الأمير في ذلك فأجبته أني لا أعرف هذا. فقيل له فلا تراه؟ قال: لا. فقيل له فإذا أمكن سجوده وركوعه فقد تم؟ قال: نعم.
قال محمد بن رشد: هذا مثل قوله في المدونة إنه لا يوقت في ذلك تسبيحا، وإنه إذا أمكن يديه من ركبتيه في ركوعه وجبهته من الأرض في سجوده فقد تم ركوعه وسجوده، وكان يقول: إلى هذا تمام الركوع والسجود.
وقوله: لا أعرف هذا، معناه لا أعرفه من واجبات الصلاة، وكذلك قوله إنه لا يراه، معناه لا يراه من حد السجود الذي لا يجزئ دونه لا أنه يرى تركه أحسن من فعله؛ لأن التسبيح في سجود الصلاة من السنن التي يستحب العمل بها عند الجميع.
وقد روي أنه لما نزلت في سورة الواقعة: {فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ} [الواقعة: 74] قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اجعلوها في ركوعكم» ولما نزلت: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى} [الأعلى: 1] قال: «اجعلوها في سجودكم». وروي عنه أنه قال: «من ركع فقال في ركوعه: سبحان ربي العظيم ثلاث مرات فقد تم ركوعه وذلك أدناه. ومن سجد وقال في سجوده: سبحان ربي الأعلى ثلاث مرات فقد تم سجوده وذلك أدناه».
قال ابن حبيب: يريد أن ذلك أدنى التخفيف الذي ينبغي في الركوع والسجود. وقد روي عن يحيى وعيسى بن دينار أنهما قالا: من صلى الفريضة فركع وسجد ولم يذكر الله تعالى في ذلك أعاد صلاته في الوقت وبعده، وهذا على طريق الاستحسان لا على طريق الوجوب، والله أعلم.

.مسألة قيام الرجل بعد فراغه من الصلاة يدعو قائما:

وسئل مالك عن قيام الرجل بعد فراغه من الصلاة يدعو قائما، قال: ليس هذا بصواب ولا أحب لأحد أن يفعله. وسئل أيضا عن الدعاء عند خاتمة القرآن، فقال: لا أرى أن يدعو ولا نعلمه من عمل الناس. وسئل عن الرجل ينصرف هو وأصحاب له فيقفون يدعون فأمر بهم، أترى أن أقف معهم؟ قال لا ولا أحب لهذا الذي يفعل هذا أن يفعله ولا يقف يدعو.
قال محمد بن رشد: الدعاء حسن، ولكنه إنما كره ابتداع القيام له عند تمام القرآن وقيام الرجل مع أصحابه لذلك عند انصرافهم من صلاتهم واجتماعهم لذلك عند خاتمة القرآن، كنحو ما يفعل بعض الأئمة عندنا من الخطبة على الناس عند الختمة في رمضان والدعاء فيها وتأمين الناس على دعائه، وهي كلها بدع محدثات لم يكن عليها السلف، «وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة». وهذا من نحو ما مضى في رسم حلف بطلاق امرأته، ورسم صلى نهارا ثلاث ركعات، من كراهيته للاجتماع للدعاء يوم عرفة بعد العصر في المساجد، فرحم الله مالكا فما كان أتبعه للسنة وأكرهه لمخالفة السلف.

.مسألة تنقيض الأصابع في المسجد:

وسئل مالك عن تنقيض الأصابع في المسجد، قال: ما يعجبني ذلك في المسجد ولا في غير المسجد.
قال محمد بن رشد: وقع في المدونة كراهية ذلك في الصلاة خاصة، ولم يتكلم على ما سوى الصلاة، وكرهه مالك هاهنا في الصلاة وفي المسجد وفي غير المسجد؛ لأنه من فعل الفتيان وضعفة الناس الذين ليسوا على سمت حسن، وكرهه ابن القاسم في المسجد دون غيره من المواضع؛ لأنه من العبث الذي ينبغي أن لا يفعل في المساجد، وبالله التوفيق.

.مسألة تشبيك الأصابع في المسجد:

وسئل عن تشبيك الأصابع في المسجد أسمعت فيه شيئا؟ قال: إنهم لا يذكرون شيئا ولا أعلم به بأسا. وأخبرنا محمد بن خالد عن عبد الله بن نافع قال: جلس داوود بن قيس إلى مالك ومالك مشبك بين أصابعه، فأومأ داوود إلى يدي مالك ليطلقهما وقال ما هذا؟ فقال له مالك: إنما يكره هذا في الصلاة.
قال محمد بن رشد: قد روي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النهي عن تشبيك الأصابع في الخروج إلى المسجد للصلاة وفي المسجد وفي الصلاة. روي عن أبي أمامة قال: لقيت كعب بن عجرة وأنا أريد الجمعة وقد شبكت بين أصابعي، ففرق بينها وقال: «إنا نهينا أن يشبك أحدنا بين أصابعه في الصلاة»، فقلت: إني لست في صلاة، فقال: ألست قد توضأت وأنت تريد الجمعة، قال قلت: بلى، قال فأنت في صلاة.
وروي عنه أنه قال: «سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: إذا توضأ أحدكم وخرج يريد المسجد فهو في صلاة ما لم يشبك بين أصابعه».
وروي عنه «أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال له: يا كعب بن عجرة إذا توضأت فأحسنت الوضوء ثم خرجت إلى الصلاة فلا تشبك بين أصابعك فإنك في صلاة». ولم يصح عند مالك رَحِمَهُ اللَّهُ من هذا كله إلا النهي عن تشبيك الأصابع في الصلاة خاصة، فأخذ بذلك ولم ير بما سواه بأسا.
وإلى هذا ذهب البخاري في كتابه، فإنه بوب باب تشبيك الأصابع في المسجد وغيره، وأدخل حديث أبي موسى عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا وشبك بين أصابعه»، وحديث أبي هريرة: «أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: سلم من ركعتين فقام إلى خشبة معروضة في المسجد واتكأ عليها كأنه غضبان ووضع يده اليمنى على يده اليسرى وشبك بين أصابعه» وذكر تمام الحديث.
فأما حديث أبي موسى فلا حجة فيه لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنما فعله للمعنى الذي ذكره على التمثيل والبيان، وأما حديث أبي هريرة فالحجة لمالك فيه قائمة، وبالله التوفيق.

.مسألة الرجل يتنفل في الصلاة أيقرأ بسم الله الرحمن الرحيم:

وسئل عن الرجل يتنفل في الصلاة أيقرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أو يقرأ الحمد لله رب العالمين؟ قال: يقول الحمد لله رب العالمين ويقول: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ في السورة في كل سورة إذا أراد أن يتابع سورا بعضها فوق بعض، فأما في المكتوبة فلا يفعل، وليبدأ بالحمد لله رب العالمين، ولا يقول بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
قال محمد بن رشد: لم يختلف قول مالك أنه لا يقرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ في الفريضة لا في أول الحمد ولا في أول السورة التي بعدها؛ لأنها ليست عنده آية من الحمد، وإنما تثبت في المصحف في أولها للاستفتاح لا لأنها منها كسائر السور، فبسم الله الرحمن الرحيم ليس من القرآن عند مالك إلا في سورة النمل فإنه فيها بعض آية.
وذهب الشافعي إلى أن بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ آية من الحمد فأوجب قراءتها في الصلاة في أول الحمد. ومن أهل العلم من استحب قراءتها في الفريضة في أول الحمد، وهو مذهب محمد بن مسلمة من أصحاب مالك. ومنهم من استحب قراءتها في الفريضة في أول الحمد سرا، فيتحصل في ذلك أربعة أقوال: أحدهما إيجاب قراءتها، وهو مذهب الشافعي ومن تبعه؛ والثاني كراهة قراءتها، وهو من مذهب مالك، والثالث استحباب قراءتها، وهو مذهب محمد بن مسلمة؛ والرابع الإسرار بقراءتها. فوجه كراهة قراءتها لئلا يظنها الجاهل من الحمد فيراها واجبة؛ ولأن ترك قراءتها هو المروي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والخلفاء بعده.
وروي عنهم أنهم كانوا يفتتحون القراءة في الصلاة بالحمد لله رب العالمين. ووجه استحباب قراءتها مراعاة قول من يراها آية من الحمد فتكون الصلاة مجزية تامة بإجماع.
ووجه من رأى الإسرار بها مخافة أن يظن أنها من الحمد وأن قراءتها واجبة.
وأما قراءة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ في النافلة فلمالك في ذلك في الحمد قولان: أحدها أنه لا يقرأ فيها، والثاني أنه يقرؤه فيها. والقولان قائمان من هذه الرواية. وله في ذلك فيما عدا الحمد من السور ثلاثة أقوال: أحدها أنه يقرؤه في كل سورة، وهو قوله في هذه الرواية.
والثاني: لا يقرؤه في شيء منها إلا أن يكون رجلا يقرأ القرآن عرضا يريد بذلك عرضه في صلاته، وهو رواية أشهب عنه في رسم الصلاة الثاني. والثالث: أنه مخير إن شاء قرأه وإن شاء تركه، وهو قوله في المدونة.

.مسألة الرجل تفوته الركعة مع الإمام متى يقوم:

وسئل عن الرجل تفوته الركعة مع الإمام متى يقوم إذا سلم واحدة أو ينتظر حتى يسلم تسليمتين؟ قال إن كان ممن يسلم تسليمتين انتظره حتى يفرغ من سلامه كله ثم يقوم.
قال محمد بن رشد: قد مضى في رسم آخر رسم شك في طوافه نحو هذه المسألة والقول عليه بما بين معنى هذه، وبالله التوفيق.

.مسألة البيع يوم الجمعة:

وسئل مالك عن البيع يوم الجمعة، هل يمنع الناس من ذلك؟ قال: لا أنكره، فقلت له فإذا أذن المؤذن؟ قال: نعم أرى أن يمنعوا. قيل له فأي الأذان هو؟ قال: الذي يكون عند قعود الإمام، ويمنع من ذلك كل من تجب عليه الجمعة ومن لا تجب عليه.
قال محمد بن رشد: السنة في الآذان يوم الجمعة أن يكون بعد قعود الإمام على المنبر، وقوله إن الأذان الذي يكون عند قعود الإمام على المنبر هو الآذان الذي يعتبر به في منع الناس من البيع، إنما يعني أنه إذا أحدث الإمام قبل ذلك أذانا مثل الأذان الذي زاده عثمان رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في الزوراء عند أول الزوال على ما ذكرناه في آخر رسم سلعة سماها لم يعتبر به في ذلك، وقد تقدمت هذه المسألة والقول فيها في أول رسم حلف بطلاق امرأته فلا معنى لإعادته.

.مسألة الرجل يدخل يوم الجمعة والإمام يخطب أيجلس أم يتم صلاته:

وسئل عن الرجل يدخل يوم الجمعة فيكبر قبل أن يخرج الإمام فيخرج الإمام ولم يركع ويؤذن المؤذنون، أيجلس أم يتم صلاته؟ قال بل يتم ركعتين، وإنما يجلس من لم يحرم حتى يقعد الإمام.
قلت لسحنون: فلو أني دخلت المسجد والإمام جالس والمؤذنون أمامه يؤذنون فأحرمت ساهيا أو غافلا أو كنت جالسا فلم أفرغ من ركعتي حتى فرغ المؤذنون وقام الإمام يخطب، وذكرت له أنها نزلت بي، أترى أن أمضي في صلاتي؟ فقال لي نعم، وإنما يكره ذلك ابتداء، فإذا فعله أحد مضى ولم يقطع. قال العتبي: وجدتها لابن وهب رواية عن مالك.
قال محمد بن رشد: أما من أحرم يوم الجمعة فإنه يتمادى على نافلته حتى يتمها، كان قد ركع أم لم يركع، لما جاء في ذلك عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مما تعلق به من قال أن من جاء والإمام يخطب إنه يركع قبل أن يجلس، وقد قالوا فيمن أحرم في صلاته بالتيميم ثم طلع رجل معه ماء أنه يتمادى على صلاته ولا يقطعها، وكيف بهذا؟ وأما من دخل المسجد والإمام جالس على المنبر والمؤذنون يؤذنون فأحرم جاهلا أو غافلا فإنه يتمادى ولا يقطع على قول سحنون ورواية ابن وهب عن مالك وإن لم يفرغ حتى قام الإمام إلى الخطبة.
وقد قيل إنه يقطع، وهو قول ابن شعبان في مختصر ما ليس في المختصر. وكذلك لو دخل المسجد والإمام يخطب فأحرم لتمادى على قول ابن وهب عن مالك وسحنون، ولقطع على قول ابن شعبان، إذ لا فرق بين أن يحرم والإمام يخطب أو وهو جالس على المنبر والمؤذنون يؤذنون، لما جاء من أن خروج الإمام يقطع الصلاة وكلامه يقطع الكلام. وذلك لا يكون من قائله رأيا، وهذا عندي في الذي يدخل المسجد تلك الساعة فيحرم، وأما لو أحرم بالصلاة تلك الساعة من كان جالسا في المسجد لوجب أن يقطع قولا واحدا، إذ لا اختلاف في أنه لا يجوز أن يركع تلك الساعة، بخلاف الذي يدخل المسجد تلك الساعة، إذ قد قيل إنه يركع قبل أن يجلس لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس»، ولما جاء أنه أمر سليكا الغطفاني وهو جالس على المنبر أن يركع ركعتين ثم قال: «إذا جاء أحدكم والإمام يخطب فليصل ركعتين خفيفتين يتجوز فيهما»، وبالله التوفيق.

.مسألة الغدو إلى العيدين أية ساعة هي:

وسئل مالك عن الغدو إلى العيدين أية ساعة هي؟ قال: إذا طلعت الشمس، ثم قال بعد ذلك هو العمل الذي عليه أهل الفقه عندنا. فقيل له: فمتى يكبر؟ قال إذا طلعت الشمس وغدا، فقيل له أفيجهر بالتكبير أم يسره؟ قال: أمر بين ذلك، ويكبر في العيدين جميعا في الفطر والأضحى.
قال محمد بن رشد: هذا هو الوقت المختار في الغدو إلى العيد، فإن غدا قبل طلوع الشمس لم يكبر إلا أن يكون قرب طلوع الشمس أو الإسفار البين. وقال علي بن زياد عن مالك إنه لا تكبير إلا على من غدا بعد طلوع الشمس، وقع ذلك في آخر رسم حلف بطلاق امرأته وقد تكلمنا هناك على حكم التكبير ووجهه وما الأصل فيه ومكان الاختلاف منه.

.مسألة إشارة الرجل بأصبعه في الصلاة:

وسئل عن إشارة الرجل بأصبعه في الصلاة، قال ليشر إن شاء ولا بأس في التشهد إذا وضع يديه على ركبتيه.
قال محمد بن رشد: معنى الكلام يشير إن شاء في التشهد ولا بأس به، فظاهره التخيير من غير استحسان منه لفعله على تركه، وقد استحسن ذلك في رسم المحرم بعد هذا، وهو الصواب؛ لأنها السنة من فعل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على ما في الموطأ عنه من رواية عبد الله بن عمر.
وقد مضت هذه المسألة والتكلم عليها في رسم شك في طوافه قبل هذا. وفي الكلام تقديم وتأخير، وتقديره: وسئل عن إشارة الرجل بأصبعه في الصلاة في التشهد وإذا وضع يديه على ركبتيه، قال ليشر إن شاء ولا بأس به، وبالله التوفيق.

.مسألة الصلاة في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم أي مواضعه أحب:

وسئل مالك عن الصلاة في مسجد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أي مواضعه أحب إليك؟ قال: أما النافلة فمصلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قال ابن القاسم: وهو العمود المخلق، وأما الفريضة فيقدم إلى أول الصف أحب إلي.
قال محمد بن رشد: استحب مالك رَحِمَهُ اللَّهُ صلاة النافلة في مصلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للتبرك بموضع صلاته، ورأى للصلاة في ذلك الموضع فضلا على سائر المسجد. ومن الدليل على ذلك أن عتبان بن مالك قال لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يا رسول الله، إنها تكون الظلمة والسيل والمطر وأنا رجل ضرير البصر فصل يا رسول الله صلى الله عليك وسلم في بيتي مكانا أتخذه مصلى، فجاءه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: «أين تحب أن أصلي، فأشار له إلى مكان من البيت فصلى فيه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ». فإذا كان ذلك الموضع من بيته بصلاة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيه صلاة واحدة أفضل من سائر بيته، وجب أن يكون الموضع الذي كان يواظب على الصلاة فيه في مسجده أفضل من سائر المسجد بكثير.
وإنما قال: إنه يتقدم في الفريضة إلى أول الصفوف وهو الصف الأول؛ لأن فضل الصف الأول معلوم بالنص عليه من النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فهو أولى مما علم فضله بالدليل. ولمالك في رسم التسليف في الحيوان المضمون من هذا السماع من كتاب الجامع أن العمود المخلق ليس هو قبلة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولكنه كان أقرب العمد إلى مصلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، خلاف قول ابن القاسم أن العمود المخلق هو مصلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وبالله التوفيق.

.مسألة صلاة الجمعة في مجالس حوانيت عمرو بن العاص:

وسئل مالك عن صلاة الجمعة في مجالس حوانيت عمرو بن العاص ووصفت له، قال: لا بأس بذلك وأراها مثل أفنية المسجد إذا كان إنما يصلى فيها من ضيق المسجد بالناس فلا أرى بذلك بأسا.
قال محمد بن رشد: يريد مصاطب الحوانيت التي لا تأخذها الغلق الشارعة إلى الطرق المتصلة بأفنية المسجد، فحكم لها بحكم أفنية المسجد ولم ير بالصلاة فيها بأسا إذا ضاق المسجد، ولم يعط فيها جوابا بينا إذا صلى فيها والمسجد واسع من غير ضرورة. والأظهر في ذلك من مذهبه هنا وفي المدونة أنه قد أساء وصلاته جائزة، وهي رواية ابن أبي أويس عنه. وقال سحنون: يعيد ظهرا أربعا. ووجه قول مالك أن الصلاة لما كانت في هذه المواضع جائزة لمن ضاق عنه المسجد وجب أن تجوز صلاة من صلى فيها وإن لم يضق عنه المسجد، أصل ذلك من صلى في الصف الثاني وهو يجد سعة للدخول في الصف الأول.
ووجه قول سحنون أن المسجد من شرائط صحة الجمعة، فإذا صلى خارجا منه وهو قادر على الصلاة فيه وجب أن لا تجزئه صلاته، أصل ذلك من صلى مكشوف العورة وهو قادر على سترها.